Thursday, April 28, 2011

الخلفية التاريخية لكتابة اللغة الصّومالية بالحرف اللاتيني


بقلم: الأستاذ أحمد رشيد حنفي
مقدمة:

تتبوء اللغة العربية في المجتمع الصّومالي مكانة مرموقة لكونها لغة الوحي والقرآن الكريم، ولكونها أيضاً وسيلة للمراسلات والمعاملات التجارية وتوثيق العقود، وأداة لنشر المعارف وكتابة العلوم الإسلامية، ولا يزال هذا الأثر ظاهرا في المخطوطات القرآنية العريقة التي يرجع تاريخ بعضها إلى عام 132 هجري.[1] إن ازدهار العلوم العربية والإسلامية في كل من هَرَرْ، ومقديشو، وزَيْلَغْ، وبَرَاْْوَه، ومرْكَةُ وورشح وباردرا لدليل ساطع على ذلك الأثر الذي تركته العربية في النتاج العلمي واللغوي بين أبناء تلك المدن، ويشير السيّر ريتشارد بيرتون Richard Buton في كتابه First Footstep إلى أن المساجد في مدينة هَرَر كانت مركزاً للعلم والثقافة.[2] وقد اشتهرت مدينة هَرَر بثرائها وإتقان أهلها لعلوم اللّغة والأصول والحديث، كما اشتهرت أيضاً مقديشو وما جاورها من المدن كبراوه ومركه بعلوم التفسير والفقه الشافعي، وقد كان لهذه الحركة العلمية أثرها في وقت من الأوقات على البلدان الإسلامية الأخرى كاليمن والتي توافد أبناؤها إلى هذه المدن طلباً للعلم وذلك منذ عام 767 هجري.[3]


الخطط وأهداف المستعمر:

وقد أدرك المستعمر الأوربي الذي هيمن على مقاليد الأمور في الصّومال، مدى تغلغل العربية في أعماق تاريخ المنطقة، فبذل المحاولات المضنية مستغلاً نفوذه السياسي وتدهور الأوضاع العلمية في المنطقة، فكانت محاولة ريتشار دبيرتون Burton Richard كتابة الصّومالية بالحروف اللاتينية مقارناً بالعربية في قواعدها ثم تبعت تلك الخطوة محاولة الإدارة البريطانية في شمال الصّومال كتابة الصّومالية باللاتينية وذلك عام 1938، مما أدى إلى قيام مظاهرات عنيفة حيث اعتبر الصّوماليون تلك الخطوة محاولة مسيحية لإضعاف العربية ومن ثم الثقافة الإسلامية. إن محاولات الاستعمار لم يقف عند ذلك الحد، بل اتخذت السلطات البريطانية سُبلاً أخرى تنمُّ عن المكر والدّهاء، فكان مشروع مدرسة الدراسات الإفريقية والشرقية بجامعة لندن والتي تبنّت تنفيذه وتمويله مصلحة التّعلم في الصّومال البريطاني وقد أُسند المشروع إلى العالم اللغوي اليهودي البريطاني B. W. Andrewik وموسى جلال الصّومالي Galal Mousa الذي كان جندياً سابقاً في الجيش البريطاني،[4] والهدف من المشروع في الظاهر كان لاستكشاف البناء اللغوي والصوتي للكلمات الصّومالية، إلا أن اللجنة قامت بإعداد تقرير أوصت فيه باختيار الحرف اللاتيني لكتابة الصّومالية، ولكن السلطات البريطانية لم تتمكن من تنفيذ الخطة، وظل المشروع في طي الكتمان خوفاً من اضطرابات ومظاهرات لا تُحمد عواقبها.


وفي خضم هذه المؤامرات الدّنيئة، رفع زعماء البلاد مذكّرة إلى الإدارة الإيطالية وذلك في نوفمبر 1950 مطالبين بجعل العربية اللغة الرسمية للبلاد، وقد وقّع على هذه المذكرة العلماء، والأعيان، ورؤساء الأحزاب السياسية وقد جاء في هذه المذكّرة ما نصه: "نرفع إلى السّلطات الإيطالية القائمة بإدارة هذه البلاد ما اجتمعنا على إقراره نهائياً بخصوص اللغة العربية لهذه البلاد: إننا نختار العربية لغة رسمية لهذه البلاد للأسباب الآتية:

1. لأنها لغة الدين والقرآن الكريم.

2. لأنها لغة المحاكم الشرعية في جميع البلاد.

3. لأنها لغة التجارة والمكاتبات منذ انتشار الإسلام في هذه البلاد.

4. ولأن الشعب قد اختار العربية لتكون اللغة الرسمية للبلاد.[5]


وبهذا أدرك العلماء والزُّعماء المخاطر التي قد تنجم ما لو أقدم المستعمر على تنفيذ خطّته القاضية على إقصاء العربية وإحلال الصّومالية محلّها مكتوبة باللاتينية.

والغريب أنّه رغم ورود نص واضح في دستور حزب وحدة الشباب الصّومالي ينص على تعزيز وتقوية مركز العربية في الصّومال، بل ومنع أعضائه كتابة الصّومالية بحروف أجنبية، إلا أن إدارة الوصايا في جنوب الصّومال ضربت هذا النص عرض الحائط بعقدها عام 1955 مؤتمراً ثنائياً (بريطانيا وإيطاليا) وقد أصدر المؤتمر توصياته باختيار أبجدية لاتينية معدّلة تكون أساساً لكتابة الصّومالية، غير أن خوف السّلطات من رُدود فِعل شعبي حال دون اتخاذ خطوات عملية، ويبدو أن المجلس الإقليمي الذي أنشأ في الصّومال تحت الوصاية الإيطالية في أول يناير من عام 1956 طالب من إدارة الوصايا الإيطالية اتخاذ موقف واضح من مسألة كتابة الصّومالية بالعربية مُوضحاً اعتبارها اللغة الوحيدة التي تتناسب وثقافة الشعب الصّومالي.

بيد أن الوزير الإيطالي أعلن أنه سيتخذ الخطوات التدريجية لإخراج لغة من اللهجات المختلفة تكون اللغة الرسمية للبلاد.[6] واعتبرت تلك الخطوة من قبل ممثلي الشعب موقفاً مؤيداً للعربية، كما اعتبرت أيضاً أول مجابهة سياسية بين حكومة الوصايا وبين ممثلي الشعب لصومالي.

دور العلماء وقادة حزب الشباب في تعزيز مركز العربية في الصّومال:


أدرك العلماء وبعض قادة حزب وحدة الشباب محاولات الإدارة الإيطالية وسعيها الحثيث لإضعاف العربية فاتصلوا بالحكومة المصرية وبالذات مصطفى باشا النحاس -رئيس الوزراء- مطالبين منه تخصيص منح دراسية في الأزهر وغيره، فكانت استجابة الحكومة المصرية سريعة وخصصت للصومال 40 منحة دراسية، كما أوفدت مصر أول بعثة أزهرية في يونيو 1951 تضم علماء أجلاء كالشيخ عبد الله المشد، والشيخ محمود خليفة للوعظ والإرشاد، مطالبة منهم كتابة تقرير عن الوضع الثقافي في الصّومال وبعدها قامت الحكومة المصرية بعقد اتفاقية ثقافية مع إدارة الوصايا الإيطالية، وبموجبها وصلت بعثة ثقافية دينية أخرى برئاسة الشيخ أبو بكر زكريا، وتضم الشيخ إسماعيل حمدي، والشيخ محمود عيد، وعقب وصول البعثة، أصدرت اللجنة المركزية لحزب وحدة الشباب بياناً أكدت فيه ما نصه: "اللغة العربية هي اللغة الرسمية لرابطة وحدة الشباب الصّومالي وكل الشعب إذ إن اللغة العربية هي هبة الله للشعب الصّومالي الذي هو جزء من العالم الإسلامي".[7] واحتدّ الصّراع الثقافي بين الإدارة الإيطالية وبين عضو مصر السيد كمال الدّين صلاح في مجلس الوصايا المكون من كل من مصر وإيطاليا وكولومبيا والفلبين، والذي تنبه لخطط وألاعيب الاستعمار الإيطالي فقام بإعطاء دفعة قوية للوجود المصري المؤيد بل المدافع الوحيد للثقافة العربية في الصّومال في تلك المرحلة، كما تمكن من إيجاد صلة قوية بينه وبين قيادة حزب الوحدة (SYL) فكان هذا كافياً لاعتباره خطراً على مستقبل الثقافة الإيطالية في الصّومال فاغتيل في 16 إبريل 1956. ويعتقد معظم من عاصروا تلك الحقبة من التاريخ الصّومالي أن أعداء العربية في الصّومال الذين حملوا الثقافة الغربية هم من استخدم الطليان في قتل السيد كمال الدين صلاح وتصفيته جسديا.

وفي خضم الأحداث السياسية قبيل فترة الاستقلال أخذت مسألة كتابة الصّومالية في الاضمحلال، إذ كان الاهتمام مُنصباً على حصول الاستقلال والتخلص من الاستعمار، غير أن الاتجاه العام كان يوحي بأهمية العربية، وتم تدريسها في المدارس الابتدائية، كما ازداد النفوذ المصري في تأثير المجرى التعليمي؛ متمثلاً في جلب العلماء الأكفاء، وتخصيص المنح الدراسية للطلبة، كما أن مدونات الجمعية الوطنية الصّومالية كانت تكتب بالعربية مع صدور بعض الصحف باللغة العربية.

وبعد قيام السلطة الوطنية عام 1960 كُلّفت لجنة تابعة من قبل الحكومة الناشئة بالبحث عن أفضل السبل لكفاية الصّومالية، ورفعت اللجنة تقريرها للحكومة معتمدة على الدراسات التي سبقتها، واقترحت كتابة الصّومالية بأحرف لاتينية معدلة.[8] غير أن الحكومات المتعاقبة على الحكم للفترة التي سبقت النظام الشيوعي في الصّومال لم تجرؤ على تنفيذ الخطة خوفاً من الحركة الشعبية المساندة لكتابة الصّومالية بأحرف عربية.



ويلاحظ في هذه الفترة ازدياد النفوذ المصري الثقافي، إذ نشطت حركة الثقافة والعلوم العربية، فكانت بحق مرحلة ازدهار العربية ازدهاراً أرعب الأعداء، فأعقب هذا الازدهار بروز طبقة مثقفة بثقافة عربية مما حدا بإيطاليا وغيرها من الدول الغربية إلى تكثيف جهودها الثقافي وذلك بافتتاح مزيد من المدارس ذات الطابع الغربي لغة واتجاها، فشهدت الساحة الصّومالية تنافساً ثقافيا. واستمر هذا الصراع الثقافي حتى وقعت الصّومال في يد الشيوعيين بقيادة محمد زياد بري عام 1969م وبذلك دخلت البلاد مرحلة اتسمت بمؤامرات ومكايد هدفها إقصاء الصّومال إقصاءً كاملاً عن إسلامه ولغته العربية. ولكي ينفذ النظام خططه وأهدافه قام بتكميم الأفواه، وإفساح المجال لكل ناعق متزلف حاقد، كما قام بوأد كل صوت معروف بدفاعه ومنافحته للعربية، وفي هذا الجو القاتم الخانق، تمكنت الحكومة الصّومالية رسمياً من كتابة الصّومالية بأحرف لاتينية، وكان ذلك في يناير 1972م.

وبذلك دخلت الصّومال مرحلة جديدة، وأصدرت الحكومة صحفية نجمة أكتوبر باللغة الصّومالية المكتوبة بالحرف اللاتيني. وفي مجال التعليم، اعتبرت الصّومالية لغة التدريس في المدارس كلها. أما في مجال الثقافة العامة والتأهيل فقد أصدرت السلطة دراسات بالأبجدية المعتمدة على الحرف اللاتيني والتي تتعلق بالاشتراكية العلمية والوحدة والنظام التعاوني. وقد ساعدت وكالة agency nysosti press الروسية في طباعة كتاب الاشتراكية العلمية والاقتصاد السياسي والأداء الثوري.[9]


دور العلماء في كشف وردّ مزاعم الشيوعيين في كتابة الصّومالية:

كان وقع هذا الحدث على الشعب الصّومالي وعلى علمائه بالذات أليما، وكان الإعلام الشيوعي يردد على مسامع المواطنين استحالة كتابة الصّومالية بالعربية فكان دور العلماء وشباب الصحوة في الداخل تسريب المقالات المنددة والمستنكرة إلى إخوانهم في الخارج، وكانت لمجلة المجتمع الكويتية مواقفُ شجاعة في كشف اللثام عن مخاطر تلك الخطوة على مستقبل الإسلام في الصّومال، كما اتجهت الجهود من قبل أولي الهمم العالية إلى تكثيف الجهود لنشر الوعي الإسلامي بين الشباب، فانتشرت الصحوة انتشاراً عظيما. فأصدرت الحكومة أوامرها القاضية بمنع كتب الإخوان من الأسواق مثل كتب الشهيد سيد قطب، وملاحقة من يُظنُّ أنه حائل دون رغبة الحكومة لإغواء الشباب وإلهائهم في برامج منحرفة فاسدة، ولاسيما بعد عزوفهم عن تلك البرامج واتخاذهم للمسجد منْهلاً للعلم وملتقى لتبادل الآراء وملاذاً من ملاحقة رجال المخابرات، فكانت تلك بدايات الحركة الإسلامية المنظمة في الصّومال والتي كان لها الفضل في الحفاظ على اللغة العربية، حيث بدأ شباب المدارس الثانوية والجامعات تعلّم العربية في حلقات المساجد بعد أن حرموا من دراستها في المدارس والجامعات. وهكذا لقي الكتاب الإسلامي تضييقاً، كما وتضاءل عدد الطلاب المتخرجين من الجامعات العربية.


وعلى الصعيد المحلي لم يقف الصّوماليون مكتوفي الأيدي تجاه ما يحاك لإسلامهم من مؤامرات ودسائس، فقد ضاعفوا الجهد في نشر الدعوة ومواجهة الفكر الإلحادي، واتجهت أنظارهم نحو بناء مزيد من خلاوي (حلقات) تحفيظ القرآن الكريم، وتدل الإحصائيات الدقيقة أن 67% من تلك الخلاوي تم إنشاؤها من بين 1982- 1970[10] وتعتبر هذه الفترة هي الأكثر عنفاً في محاولة النظام لهدم أركان الإسلام، كما تعتبر أيضاً بداية العد التنازلي لنظام طالما أعلن رئيسه على الملأ بأن الإسلام غير صالح لإنسان القرن العشرين (كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا).

وعندما أدرك النظام استماتة أهل الصّومال في الذود عن إسلامهم، أعلن عن انضمام الصّومال إلى الجامعة العربية وذلك لتحسين صورته في الداخل والخارج، بيد أن انضمامه إلى تلك الجامعة لم يؤدِ إلى تخفيف الوطأة على العربية بل ازدادت الهجمة الشرسة عليها، ويبدو أن النظام الصّومالي كان يدرك بأن زعماء العرب لا يذودون عن العربية إلا على استحياء، وبأن معظمهم لا يحملون لها همّاً ولا حبا، بل ربّما أهينت العربية في بلادهم أو على ألسنتهم وهم يحمّلون أنفسهم على التلفظ بكليمات من رطانة الإنجليزية، وهم لها جاهلون ظناً منهم بأنهم أهل سبق وحضارة، وكأن العربية تُوردُ صاحبها إلى مواطن الجهل والتأخر، ولوا أرادوا لعملوا بأن لغتهم هي التي ترفع من ذكرهم وقدرهم وإلا فكيف سمحت لحكومة الصومال وقتها الانضمام إلى الجامعة العربية وهي سيف مسلط على بتر لسان الوحي والقرآن الكريم.



إن أثر كتابة الصّومالية بالحرف اللاتيني على المجتمع الصّومالي كان بالغا. وقد ظهرت النتائج السلبية لذلك أثناء الحروب الأهلية مثل ضعف الوازع الديني لدى كثير من الشعب، كما كان أثر ذلك على الصحوة المباركة عميقا، إذ حُرم كثير من الذين لحقوا بركب الدعوة فرصة دراسة العربية. ومن ثم الاطلاع بمفردهم على كتب الصحوة مما اضطرهم إلى الالتفاف من أجل التلقي حول من هُم على شاكلتهم في السن والعلم، فكان بداية ظهور فكر التكفير وجنوح بعض الشباب إلى الغلو في الدين، مما أدى إلى جر بعضهم -بسهولة وعن حسن نية ونبل قصد- إلى مواطن الفتن كالحروب الأهلية الأخيرة في الصّومال.


ومن الآثار الخطيرة على مستقبل النشئ في الصّومال صدور ترجمة الكتاب المقدس باللغة الصّومالية بطبعة أنيقة جذابة، ويتم توزيعه في مجتمعات اللاجئين في الصّومال وكينيا – كما تقوم جماعة بتوزيع كتيبات عن المسيحية مترجمة إلى الصّومالية في البلاد الغربية التي تعيش فيها الجالية الصّومالية.

دور الحركات الإسلامية وازدهار العربية من جديد:

إن انهيار الدولة الصّومالية صاحبها انهيار في جميع مجالات الحياة، فبرز إلى حيز الوجود فراغ تعليمي هائل، تمثل في انتهاء البيئة التعليمية بكل مستوياتها مما حدا بأبناء الحركة الإسلامية وقاداتها إلى الإسراع بإنشاء:


في إقامة المدارس والجامعات التي صارت منهلاً للعلم، يؤمها آلاف الطلبة ومن خلال هذه الجهود المضنية، انتشرت العربية من جديد انتشاراً واسعاً بحيث يمكن لنا القول بأن العربية اليوم في الصّومال حازت فضل السبق مقارنة بغيرها من اللغات الأخرى.

وبإمكاني القول بأن العربية في الصّومال لم تشهد ازدهاراً وإقبالاً مثل ما نشهده هذه الأيام، وصدق الله العظيم: "يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم، والله متم نوره".


الخاتمة:

ومن هنا ندرك أن الاستعمار والعملاء المحليين في الصّومال قد حققوا بعض ما كانوا يصبون إليه، ألا وهو زعزعة النشئ الصّومالي رويداً رويداً حتى يبدل الكفر بالإيمان، لذا يجب على كل المخلصين للإسلام ولغته العربية العمل على إحياء لغة الوحي والقرآن الكريم تعليماً وتدريساً كما كان ذلك من قبل. فإن وفقنا في هذا فعسى أن نكون ممن يُرفع لهم الذكر هنا وينجو من السؤال هناك (وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون). والله من راء القصد والهادي إلى سواء سبيل.


[1] السياسات الثقافية في الصّومال الكبير، د. حسن مكي، ص63.

[2] تاريخ التعليم في الصّومال، 1978م، محمد علي عبد الكرم وآخرون، ص10- 12.

[3] السياسات الثقافية في الصّومال الكبير، ص62.

[4] المصدر السابق، ص167.

[5] إستراتيجية تقوية اللغة العربية والخطة الخمسية الأولى، مقديشو، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، سبتمبر 1981م، ص15.

[6] المصدر السابق، ص12- 13.

[7] السياسات الثقافية في الصّومال الكبير، ص142.

[8] المصدر السابق، ص142.

[9] المصدر السابق، ص171.

[10] المصدر السابق، ص194.

نظرات للأحداث في مصر على ضوء الرؤية التاريخية في مقاومة الظلم ودفع الظالمين

عانت البشرية قبل الإسلام من الفساد مالا يوصف ، ومن الظلم ما لا يطاق، فكواهل الفقراء كانت مرهقة، كما أن بطون الأغنياء كانت متخمة، وقد أشار القرآن إلى هذه الظاهرة "فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ" (هود، الآية 116) "ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ" (الروم، الآية41)، فجاء الإسلام ليعيد للمظلوم حقه، وليوقف الظالم عند حده، بل وحث أتباعه على مجاهدة الظالمين إحقاقا للحق وانصافا للمظلومين.

إن صمود الفئة المؤمنة بقيادة المصطفى أمام جبروت وظلم أهل الشرك في الجزيرة العربية لم يكن إلا دروسا مستوحاة من الوحي الإلهي ولإقامة قيم العدل والمساواة بين الناس قاطبة، وقد ورث أصحاب المصطفى هذا المنهج بل وأشاعوه بين الأمة حتى صاروا مضرب الأمثال في العدل والانصاف ومقصدا للمظلومين، وهذا إبن بنت رسول الله الحسين بن علي يرفض إستئثار بني أمية للخلافة دونما وجه حق فكانت كربلاء، وكان الإستشهاد، وقد كان بوسع الحسين ترك الأمر وايثار الحسنى إلا أنه قام لهذا الأمر ولكيلا تصاب الأمة في مقتل ولكيلا تحيد الأمة عن المنهج النبوي الراشد.

وقد سارت الخلافة بعده، ملكا متوارثا تعاني منه الأمة الاسلامية حتى يومنا هذا.

وفي عهد عبدالملك بن مروان قامت ثورةعبدالله بن زبير الذي قام ايضا للدفاع عن المنهج المورث – نهج الخلافة الا انه لم يكتب له النجاح فيما اراد بيد ان ابن جبير اعاد للامة سيرتها لاولى والمتمثلة في رفض الظلم، ومقاومة الظالمين، وكان استشهاده على يد الطاغية الحجاج بن يوسف اكبر الأثر في نفوس المسلمين عامة وعلماء الامة خاصة.

وعندما آل أمر الخلافة لبنى العباس ، واتسعت رقعة الاسلام ، برزت الى حيز الوجود فئة قليلة تاثرت بفلسفات الامم الاخرى كالهنود واليونان وغيرهم فجاءو بما سمي في تلك الفترة بقضية "خلق القران" وهي فكرة تحمل في ثناياها إنحراف خطير تضع القرآن في خانة الإتهام، بحيث يكون قابلا للخطإ والصواب.

ولم يقف الأمرعند هذا الحد ، بل تمكنت تلك الفئة (المعتزلة) من إقناع رأس الدولة وتبنيه لها – بيد أن الإمام أحمد بن حنبل تؤيده ثلة من العلماء كأحمد بن نصر الخزاعي ، وإبن نوح العجلي وغيرهم ممن قاوموا هذا الفكر وبقيامهم هذا حفظوا للأمة نقاء الاسلام من شطحات الفلاسفة وانحرافات المعتزلة.

وفي السبعينيات من القرن الماضي (يناير 1975م) وفي غفلة من الزمن تسرب الفكر الإلحادي الى رؤس الطغمة الحاكمة في الصومال ، وقد تولى كبر هذه الفتنة رئيسها آنذاك فزعم بأنه ملاءمة القرءان لمتطلبات العصر تجاوزها الزمن، وانطلاقا من هذا الفكر المريض إدّعى بالغاء بعض الآيات المتعلقة بالمواريث، مثل الآية "للذكر مثل حظ الأنثيين" معلنا بأن المرأة تتساوى مع الرجل في الإرث. وهنا إنبرى له ثلة من العلماء مفندين آراءه ومعلنين كفره إلا أنه قام باعدامهم وما نقموا منهم إلا أنهم دافعواعن دينهم واستشهدو في سبيله فكانوا بذلك ممن سلكوا سبيل من سبقهم من علماء الأمة ومجاهديها.

إن أدلة القران والسنة متضافرة في دفع الظلم وإحقاق العدل ولم تغب عن ذاكرة الأمة هذه الثوابت إلا عندما دب الضعف وتقاعس العلماء عن القيام بواجبهم- بل إنشغالهم بالفروع الفقهية كما إن إنحسار المسلمين عن ميادين الحياة أغرى أعداءهم للاستيلاء على أراضيهم بل وتجرأت أمم لم تكن تفكر أصلا في أن يكون لها موطن القدم في أرض الإسلام كاليهود وغيرهم فكان الإستعمار الغربي بدباباته وطائراته. غير ان الاستعمار لم يصمد طويلا أمام ضربات المجاهدين بقيادة علماء الإسلام – فسلّم للحكم من رباهم عم مائدته فكرا وتوجها – فبدات مرحلة الاستعمار المحلي التي ربما كانت اشد قسوة من عهد الإستعمار الأجنبي .

إن جمعا غفيرا من أرباب الفكر الغربي يؤمن بأن للاسلام خصائص يتميز بها عن الأديان الأخرى ، وهذه الخصائص تتمثل في صلاحيته للزمان والمكان – فلا الفلسفة الغربية البرجماتية ولا الهرطقة الشيوعية الإلحادية يمكن لها مواجهة الفكر الاسلامي في ميادين العلم والمعرفة الانسانية. وقد استوعب الإمام البناء الفهم الشمولي للإسلام – فكان بروز المدرسة الإخوانية في أواخر العقد الثاني من القرن العشرين، وقد مثّل هذا نقطة تحول للأمة الإسلامية بحيث أعاد الروح في جسد فقد مقومات البقاء منذ أمد بعيد.

وقد اعتبر المفكرون ان فهم الإخوان للإسلام ماهو الا إمتداد طبيعي لحركة الاسلام الأولى – لذا إنساح هذا الفكر الشمولي في العالم الإسلامي وتنادت له الأصوات المخلصة من الشباب لهذه الأمة مؤيدة له وملتحقة بركبه ، وانطلاقا من هذا الفكر الشمولي رفضت المدرسة الاخوانية الظلم بأصنافه – وجابهت طواغيت العصر في كل الأمصار الاسلامية وخاصة في مصر معقل الحركة – فقدمت الشهداء من أمثال الامام الشهيد حسن البنا، وعبد القادر عودة، وسيد قطب ، وكمال السنابيري وغيرهم -.

ان ثورة 25 يناير الحالي في مصر ما هي إلا إمتداد طبيعي لمجمل الثورات الإسلامية في الأعصار المختلفة والتي هزت أركان الفكر الاستبدادي وإن لبس تارة ثوب الخلافة وتارة ثوب الديمقراطية.

ان نجاح ثورة 25 يناير مصر سيكون لها تداعيات مباركة على الأوضاع السياسية والاقتصادية والدعوية ، فمصر بما تمثل من ثقل سياسي في المنطقة – لا يتوقع منها تغيير الخارطة السياسية في العالم العربي فحسب ، بل في العالم الاسلامي بأسره.

ان لله سننا كونية لاتحابي احدا ، فقد جرت سنة الله في الظالمين بان يمهلهم لايهملهم – فقد أمهل أقواما عاثوا في الارض فسادا – ثم كانت عاقبتهم الخسران في الدارين – فقد كان مبارك وابن علي وغيرهم من طواغيت الأرض ممن طغوا في البلاد فاكثرو الفساد وكان عاقبتهم البوار والخسران.

في الأولى والآخرة – آلا بعُدا لمبارك وحاشيته كما بعُد إبن علي وأزلامه، ، وتلك خاتمة كل جبار عنيد وما ربك بظلام للعبيد.

الكاتب: الشيخ الداعية أحمد الرشيد الشيخ حنفي

طالب دكتوراه في قسم حوار الحضارات بجامعة ملايو بماليزيا

16/3/2011

عانت البشرية قبل الإسلام من الفساد مالا يوصف ، ومن الظلم ما لا يطاق، فكواهل الفقراء كانت مرهقة، كما أن بطون الأغنياء كانت متخمة، وقد أشار القرآن إلى هذه الظاهرة "فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ" (هود، الآية 116) "ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ" (الروم، الآية41)، فجاء الإسلام ليعيد للمظلوم حقه، وليوقف الظالم عند حده، بل وحث أتباعه على مجاهدة الظالمين إحقاقا للحق وانصافا للمظلومين.

إن صمود الفئة المؤمنة بقيادة المصطفى أمام جبروت وظلم أهل الشرك في الجزيرة العربية لم يكن إلا دروسا مستوحاة من الوحي الإلهي ولإقامة قيم العدل والمساواة بين الناس قاطبة، وقد ورث أصحاب المصطفى هذا المنهج بل وأشاعوه بين الأمة حتى صاروا مضرب الأمثال في العدل والانصاف ومقصدا للمظلومين، وهذا إبن بنت رسول الله الحسين بن علي يرفض إستئثار بني أمية للخلافة دونما وجه حق فكانت كربلاء، وكان الإستشهاد، وقد كان بوسع الحسين ترك الأمر وايثار الحسنى إلا أنه قام لهذا الأمر ولكيلا تصاب الأمة في مقتل ولكيلا تحيد الأمة عن المنهج النبوي الراشد.

وقد سارت الخلافة بعده، ملكا متوارثا تعاني منه الأمة الاسلامية حتى يومنا هذا.

وفي عهد عبدالملك بن مروان قامت ثورةعبدالله بن زبير الذي قام ايضا للدفاع عن المنهج المورث – نهج الخلافة الا انه لم يكتب له النجاح فيما اراد بيد ان ابن جبير اعاد للامة سيرتها لاولى والمتمثلة في رفض الظلم، ومقاومة الظالمين، وكان استشهاده على يد الطاغية الحجاج بن يوسف اكبر الأثر في نفوس المسلمين عامة وعلماء الامة خاصة.

وعندما آل أمر الخلافة لبنى العباس ، واتسعت رقعة الاسلام ، برزت الى حيز الوجود فئة قليلة تاثرت بفلسفات الامم الاخرى كالهنود واليونان وغيرهم فجاءو بما سمي في تلك الفترة بقضية "خلق القران" وهي فكرة تحمل في ثناياها إنحراف خطير تضع القرآن في خانة الإتهام، بحيث يكون قابلا للخطإ والصواب.

ولم يقف الأمرعند هذا الحد ، بل تمكنت تلك الفئة (المعتزلة) من إقناع رأس الدولة وتبنيه لها – بيد أن الإمام أحمد بن حنبل تؤيده ثلة من العلماء كأحمد بن نصر الخزاعي ، وإبن نوح العجلي وغيرهم ممن قاوموا هذا الفكر وبقيامهم هذا حفظوا للأمة نقاء الاسلام من شطحات الفلاسفة وانحرافات المعتزلة.

وفي السبعينيات من القرن الماضي (يناير 1975م) وفي غفلة من الزمن تسرب الفكر الإلحادي الى رؤس الطغمة الحاكمة في الصومال ، وقد تولى كبر هذه الفتنة رئيسها آنذاك فزعم بأنه ملاءمة القرءان لمتطلبات العصر تجاوزها الزمن، وانطلاقا من هذا الفكر المريض إدّعى بالغاء بعض الآيات المتعلقة بالمواريث، مثل الآية "للذكر مثل حظ الأنثيين" معلنا بأن المرأة تتساوى مع الرجل في الإرث. وهنا إنبرى له ثلة من العلماء مفندين آراءه ومعلنين كفره إلا أنه قام باعدامهم وما نقموا منهم إلا أنهم دافعواعن دينهم واستشهدو في سبيله فكانوا بذلك ممن سلكوا سبيل من سبقهم من علماء الأمة ومجاهديها.

إن أدلة القران والسنة متضافرة في دفع الظلم وإحقاق العدل ولم تغب عن ذاكرة الأمة هذه الثوابت إلا عندما دب الضعف وتقاعس العلماء عن القيام بواجبهم- بل إنشغالهم بالفروع الفقهية كما إن إنحسار المسلمين عن ميادين الحياة أغرى أعداءهم للاستيلاء على أراضيهم بل وتجرأت أمم لم تكن تفكر أصلا في أن يكون لها موطن القدم في أرض الإسلام كاليهود وغيرهم فكان الإستعمار الغربي بدباباته وطائراته. غير ان الاستعمار لم يصمد طويلا أمام ضربات المجاهدين بقيادة علماء الإسلام – فسلّم للحكم من رباهم عم مائدته فكرا وتوجها – فبدات مرحلة الاستعمار المحلي التي ربما كانت اشد قسوة من عهد الإستعمار الأجنبي .

إن جمعا غفيرا من أرباب الفكر الغربي يؤمن بأن للاسلام خصائص يتميز بها عن الأديان الأخرى ، وهذه الخصائص تتمثل في صلاحيته للزمان والمكان – فلا الفلسفة الغربية البرجماتية ولا الهرطقة الشيوعية الإلحادية يمكن لها مواجهة الفكر الاسلامي في ميادين العلم والمعرفة الانسانية. وقد استوعب الإمام البناء الفهم الشمولي للإسلام – فكان بروز المدرسة الإخوانية في أواخر العقد الثاني من القرن العشرين، وقد مثّل هذا نقطة تحول للأمة الإسلامية بحيث أعاد الروح في جسد فقد مقومات البقاء منذ أمد بعيد.

وقد اعتبر المفكرون ان فهم الإخوان للإسلام ماهو الا إمتداد طبيعي لحركة الاسلام الأولى – لذا إنساح هذا الفكر الشمولي في العالم الإسلامي وتنادت له الأصوات المخلصة من الشباب لهذه الأمة مؤيدة له وملتحقة بركبه ، وانطلاقا من هذا الفكر الشمولي رفضت المدرسة الاخوانية الظلم بأصنافه – وجابهت طواغيت العصر في كل الأمصار الاسلامية وخاصة في مصر معقل الحركة – فقدمت الشهداء من أمثال الامام الشهيد حسن البنا، وعبد القادر عودة، وسيد قطب ، وكمال السنابيري وغيرهم -.

ان ثورة 25 يناير الحالي في مصر ما هي إلا إمتداد طبيعي لمجمل الثورات الإسلامية في الأعصار المختلفة والتي هزت أركان الفكر الاستبدادي وإن لبس تارة ثوب الخلافة وتارة ثوب الديمقراطية.

ان نجاح ثورة 25 يناير مصر سيكون لها تداعيات مباركة على الأوضاع السياسية والاقتصادية والدعوية ، فمصر بما تمثل من ثقل سياسي في المنطقة – لا يتوقع منها تغيير الخارطة السياسية في العالم العربي فحسب ، بل في العالم الاسلامي بأسره.

ان لله سننا كونية لاتحابي احدا ، فقد جرت سنة الله في الظالمين بان يمهلهم لايهملهم – فقد أمهل أقواما عاثوا في الارض فسادا – ثم كانت عاقبتهم الخسران في الدارين – فقد كان مبارك وابن علي وغيرهم من طواغيت الأرض ممن طغوا في البلاد فاكثرو الفساد وكان عاقبتهم البوار والخسران.

في الأولى والآخرة – آلا بعُدا لمبارك وحاشيته كما بعُد إبن علي وأزلامه، ، وتلك خاتمة كل جبار عنيد وما ربك بظلام للعبيد.

الكاتب: الشيخ الداعية أحمد الرشيد الشيخ حنفي

يحضر دكتوراه في قسم التاريخ بجامعة ملايو بماليزيا